ابن كثير
357
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بوجهه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إجلالا وإكراما وإعظاما ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « نعم » . فقال رضي اللّه عنه : إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم وأموالهم ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لقد حكمت بحكم اللّه تعالى من فوق سبع أرقعة » ، وفي رواية « لقد حكمت بحكم الملك » ، ثم أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالأخاديد فخدت في الأرض ، وجئ بهم مكتفين ، فضرب أعناقهم وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة ، وسبى من لم ينبت منهم مع النساء وأموالهم ، وهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة الذي أفردناه موجزا وبسيطا ، وللّه الحمد والمنة . ولهذا قال تعالى : وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ أي عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل ، كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديما طمعا في اتباع النبي الأمي الذين يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [ البقرة : 89 ] فعليهم لعنة اللّه . وقوله تعالى : مِنْ صَياصِيهِمْ يعني حصونهم ، كذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم من السلف ، ومنه سمي صياصي البقر ، وهي قرونها لأنها أعلى شيء فيها ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وهو الخوف ، لأنهم كانوا مالؤوا المشركين على حرب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وليس من يعلم كمن لا يعلم ، وأخافوا المسلمين وراموا قتالهم ليعزوا في الدنيا ، فانعكس عليهم الحال ، وانقلبت إليهم القتال ، انشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون ، فكما راموا العز ذلوا ، وأرادوا استئصال المسلمين فاستئصلوا ، وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة ، ولهذا قال تعالى : فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً فالذين قتلوا هم المقاتلة والأسراء هم الأصاغر والنساء . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا هشيم بن بشير ، أخبرنا عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي قال : عرضت على النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم قريظة ، فشكوا في ، فأمر بي النبي صلى اللّه عليه وسلم أن ينظروا هل أنبت بعد ، فنظروني فلم يجدوني أنبت ، فخلي عني وألحقني بالسبي « 2 » ، وكذا رواه أهل السنن كلهم من طرق عن عبد الملك بن عمير به . وقال الترمذي : حسن صحيح ، ورواه النسائي أيضا من حديث ابن جريج عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عطية بنحوه . وقوله تعالى : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ أي جعلها لكم من قتلكم لهم وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها قيل : خيبر ، وقيل مكة ، رواه مالك عن زيد بن أسلم وقيل فارس والروم ، وقال ابن جرير يجوز أن يكون الجميع مرادا وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً .
--> ( 1 ) المسند 5 / 311 ، 312 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الحدود باب 18 ، والترمذي في السير باب 29 ، وابن ماجة في الحدود باب 4 ، والدارمي في السير باب 26 .